سعيد عطية علي مطاوع

91

الاعجاز القصصي في القرآن

حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ " ( سورة المجادلة : 8 ) . وبعد أن وجدنا أن لكل من الزمان والمكان أثرهما في بناء القصة القرآنية وفي إلباسها ثوبا من الواقع الذي يجتذب إصغاء القارئ وانتباهه نجد أيضا ما يقابل ذلك تماما إذ كثيرا ما يعرض الحدث مجردا عن ذكر الزمان والمكان اللذين وقع فيهما ، مع عدم الإخلال بسير الحادثة ، بل إنه قد يضيف إليها جمالا في الأداء ولنستمع إلى قوله تعالي : " أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ " ( سورة البقرة : آية 243 ) . في أي أرض كانوا ؟ وفي أي زمان خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ؟ لم يذكر النص القرآني ذلك مع الوضع في الاعتبار أن اللّه سبحانه وتعالى لو أراد بيانا عنهم لبيّن ، كما يجئ القصص المحدد في القرآن ، إنما هذه عبرة وعظة يراد مغزاها ، ولا يشكل المكان والزمان أهمية فيها إذ أن تحديد الأماكن والأزمان لا يزيد هنا شيئا علي عبرة القصة ومغزاها ، إنما يراد هنا تصحيح التصور عن الموت والحياة ، وأسبابهما الظاهرة ، وحقيقتهما المضمرة ، وردّ الأمر فيهما إلى القدرة المدبّرة ، والاطمئنان إلى قدر اللّه فيهما ، والمعني في حمل التكاليف والواجبات دون هلع ولا جزع ، فالمقدر كائن ، والموت والحياة بيد اللّه في نهاية المطاف . يراد القول : إن الحذر من الموت لا يجدي وأن الفزع والهلع لا يزيدان حياة ، ولا يمدان أجلا ، ويردان قضاء ، وأن اللّه هو واهب الحياة ، وهو آخذ الحياة ، وإنه متفضل في الحالتين : حين يهب وحين يسترد ، والحكمة الإلهية كامنة خلف الهبة وخلف الاسترداد ، وأن مصلحة الناس متحققة في هذا وذاك ، وأن فضل اللّه عليهم متحقق في الأخذ والمنح سواء . . . ثم جاء قوله تعالى بعد هذه الأقصوصة ، أو القصة الذرية : " وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " ( سورة البقرة آية 244 ) . . هنا ندرك طرفا من حكمة اللّه في سوق هذه التجربة للجماعة المسلمة في جيلها الأول ، وفي أجيالها جميعا . . . ألا يقعدن بكم حب الحياة ، وحذر الموت ، عن الجهاد في سبيل اللّه . وبعد تقرير تلك الإيحاءات الإيمانية التربوية الكريمة ، التي تضمنتها الحادثة يأت بعد ذلك دور الجمال الفني في الأداء : " أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ